بحث عن الميثاق الاسلامي لحقوق الانسان كامل

بحث عن الميثاق الاسلامي لحقوق الانسان كامل

الميثاق الاسلامي لحقوق الانسان
إن للحرية الدينية في الشريعة الإسلامية مكانتها وتأصيلها مما يجعلها احدى المسلمات ، وقد دلت على ذلك نصوص القرآن الواردة بأساليب متعددة : فمرة بالنفي المحمول على النهي ( لا إكراه في الدين ) ومرة بأسلوب الاستفهام والاستغراب للتخفيف عن الرسول r ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) كما جاء التطبيق العملي طوال الوجود الإسلامي مؤكداً هذا النهج ومحدداً نطاق الحرية بما فيه تحقيق مصلحة المجتمع ومصلحة الفرد معاً والله الموفق .

التعريف بالمصطلحات ذات العلاقة
إن تعريف ( الحق في الحرية الدينية ) و ( حرية الاعتقاد ) الذي هو مرادف لها وكذلك ( حقوق الإنسان ) يستلزم بعض التداخل والبيانات المشتركة ، حيث إن الحق في الحرية الدينية أو حرية الاعتقاد مترادفان ، وهما من حقوق الإنسان . فضلاً عن أن معاني هذه المصطلحات معروفة ، والمعروف لا يعرف ، لذا فإن تعريفها مدمجة هو الأولى بدءاً بمفرداتها ، وانتهاء بالتعريف اللقبي المركب لها :

فالحق لغة هو الأمر الثابت ، وشــرعاً ما ثبت في الشرع لله تعالى على الإنسان ، أو للإنسان على غيره وأركان الحق هي ( المحل ) وهو ما ثبت من مال أو منفعة أو عمل أو امتنــــاع أو وصف كالولايـــــة على الصغار . والطرفان ( من له الحق ) و ( من عليه الحق ) و ( مشروعية الحق ) وهي إذن الشارع فيه أو عدم منعه.

وحقوق الإنسان هي حقوق أساسية للأفراد مادية أو معنوية أو اجتماعية أو اقتصادية ، لهم ممارستها بحماية الدولة دون تدخل وبدون مضايقة منها أو من الأفراد أو المجتمع .

والدينية من الدين وهو بوجه عام سماوياً كان أو وضعياً ما خضع له الإنسان من فكر منظم لحياته وتعبد بمقتضاه ، وهو الاعتقاد بالجنان ، والإقرار باللسان ، وعمل الجوارح بالأركان والدين السماوي : وضع الهي شرع لإسعاد الناس في معاشهم ومعادهم.

والحرية لغة لها معنيان احدهما ضد العبودية ( الرق ) والآخر التمكن من التصرف.

وفيما يلي إيضاح هذين المعنيين :

المعنى الأول :
ضد العبودية أي ( الرق ) وهي أن يكون تصرف الشخص العاقل في شؤونه بالأصالة تصرفاً غير متوقف على رضا أحد آخر . والتقييد ” بالأصالة ” لإخراج نحو تصرف السفيه سفهاً مالياً في ماله وتصرف الزوجين فيما يتعلق به حقوق الزوجية ، وتصرف المتعاقدين بحسب ما تعاقدا عليه ، لأن ذلك كله يتوقف على رضا غير المتصرف بتصرفه ، ولكن ذلك التوقف ليس أصلياً بل جعلياً أوجبه المرء على نفسه بمقتضى التعاقد . فهو في التحقيق تصرف منه في نفسه بحريته فهر بحريته وضع لنفسه قيوداً لمصلحته .

المعنى الثاني :
وهو ناشئ عن الأول مجازاً تمكن الشخص من التصرف في نفسه وشؤونه كما يشاء دون معارض ويقابل هذا المعنى : امتناع التصرف بأن يجعل الشخص بمنزلة العبد في وضعه تحت إرادة غيره . ومقتضى الحرية ا أن يكون الشخص متصرفاً في أحواله غير خائف.

( ولا تتنافى في الحرية هنا مع التقيد بالقوانين أو بما حددته الشرائع [6]وعليه فان ( الحرية الدينية ) هي حق الفرد في اختيار ما يشاء من الاعتقاد الديني وممارسة الشعائر الخاصة به من عبادات ومناسبات دون مضايقة من الدولة أو المجتمع أو الأفراد بعضهم لبعض .

الحرية الدينية تاريخياً وفي ظل المواثيق الدولية وغيرها
يتطلب البحث في تاريخ الحرية الدينية مطلقاً ، وفي ظل المواثيق الدولية ، الكلام – بإيجاز – عن المناخ الذي تنبثق عنه ( الحرية الدينية ) باعتبارها واحدة من حقوق الإنسان ، وتطور هذا الحق مع تطور قاعدته الشاملة له ولغيره ، وموقع حق الحرية الدينية في مراحل ذلك التطور .

لقد بدأ تطور فكرة حقوق الإنسان مع نظرية ( العقد الاجتماعي ) [7] التي تقوم على أساس الاعتراف بالسلطة المنظمة للمجتمع والمستلزمة خضوع الأفراد لها بالحد من حريته المطلقة لصالح الجماعة التي تتولى حماية الأفراد وتنظيم المجتمع .

ولتحقيق التوازن بين هذين العاملين ظهرت المواثيق المبكرة لحقوق الإنسان وهي في أمريكا إعلان الاستقلال عام 1776م وفي فرنسا إعلان حقوق الإنسان والمواطن ثم دستورها عام 1848 إلى أن صدر (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ) 10/12/1948م وما تلاه من اتفاقيات دولية .

( وقد أشار بعض الباحثين إلى تقسيم حقوق الإنسان إلى حقوق تقليدية عريقة تتمثل في المساواة والحريات وأخرى جديدة تتمثل في حقوق اجتماعية واقتصادية وان الحريات بعضها يتصل بمصالح الفرد المادية وبعضها بمصالحه المعنوية وعلى رأسها ( حرية العقيدة والعبادة ) هذا وان الدول الاشتراكية تجاهلت تلك الحقوق المعنوية وبخاصة حرية الأديان وهذا غني عن البيان .

على أن تاريخ الحرية الدينية مملوء بالإهدار ، فقد عانت البشرية الكثير من التعصب للمبادئ والعقائد وبلغ الأمر مراراً الإكراه على اعتناق دين دون القناعة به ، وقامت على ذلك حروب ونكبات معروفة ، ومن المشهور محاكم التفتيش ، والحروب الصليبية ….. الخ .وفضلا عن ذلك نشطت مؤسسات التبشير ( التنصير ) وأفقدت المحتاجين حريتهم لما تقوم به من خدمات أساسية تغريهم بها على التحول عن دينهم بهذا الإكراه الضمني الذي لا يقل خطورة عن الإكراه المادي الصريح .

ولا يخفى أن سطوة الحكام من ملوك وأباطرة كانت تؤدي إلى الضغط الملجئ لاعتناق الدين الذين يختاره الملك ، حتى ضرب المثل بذلك في قولهم ( الناس على دين ملوكهم ) وقد كان الحال هكذا في العهود التي سبقت المواثيق الدولية .أو دساتير الدول فقد طرحت الحرية الدينية مبدأ أساسياً ، ونصت على حمايته ، دون أي قيود تحمي مصالح المجتمعات ، فكانت في بعض الأحيان إطلاقاً يشبه الفوضى ، وفسح المجال لتغيير من يشاء دينه بعد أن نشأ عليه وتم التعامل معه على أساسه ، كما تم الربط بين حرية الدين وحرية الفكر مما أدى إلى المساس بقيم المجتمعات تحت هذين الشعارين .

وفيما يلي عرض لما نصت عليه المادة ( 18 ) من مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان :

المادة ( 18 ) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948م :

لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين ، ويشمل ذلك حريته في أن يدين بدين ما ، وحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره ، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر ، والممارسة والتعليم ، بمفرده أو مع جماعة ، وأمام الملأ أو على حدة .

لا يجوز تعريض أحد لإكراه من شأنه أن يخل بحريته في أن يدين بدين ما ، أو بحريته في اعتناق أي دين أو معتقد يختاره .

لا يجوز إخضاع حرية الإنسان في إظهار دينه أو معتقده إلا للقيود التي يفرضها القانون، والتي تكون ضرورية لحماية السلامة العامة أو النظام العام أو الصحية العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية .

وجاء في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان المؤرخة بـ 4نوفمبر 1950م المادة 9 :

لكل إنسان الحق في حرية التفكير والضمير والعقيدة . هذا الحق يشمل حرية تغيير الدين أو العقيدة ، وحرية إعلان الدين أو العقيدة بإقامة الشعائر والتعليم والممارسة والرعاية سواء على انفراد أو بالاجتماع مع الآخرين ، بصيغة علنية أو في نطاق خاص .

تخضع حرية الإنسان في إعلان ديانته أو عقيدته للقيود المحددة في القانون ، والتي تكون ضرورية في مجتمع ديمقراطي لصالح امن الجمهور ، وحماية النظام العام والصحة والآداب ، أو لحماية حقوق الآخرين وحرياتهم .

وقد وضعت بعض الأوساط العالمية إعلانا إسلاميا ، بديلاً عن الإعلان العالمي بسبب ما تمنحه بشان الحرية في تغيير الدين والعقيدة ، وسيأتي عند الكلام عن نطاق الحرية الدينية إيراد المواد البديلة عن المادة ( 18 ) بفقراتها الثلاث .

مكانة الحرية الدينية في الإسلام

لقد أولى الإسلام الحرية الدينية اهتماماً كبيراً من خلال تطبيقات معروفة ، وليس بمجرد إطلاق شعار ( الحرية الدينية ) ، وهذا الجانب من البحث كثيراً ما يتناوله الكتاب بشيء من العاطفة والحماسة ، وسرد العديد من الشواهد والدلائل ، وتتبع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي فيها الإشارة إلى الحرية عموماً . لكن الغرض من هذا التنويه بإيجاز – بأهم الأسس والمبادئ الدالة على مكانة الحرية الدينية في الإسلام:

أبطل الإسلام المعتقدات الضالة التي اعتنقها الكثيرون بالتقليد الأعمى ، والخضوع للموروثات وتقديمها . وهو سلب لحرية الإنسان في الاعتقاد ( إنا وجدنا آباءنا على امة وإنا على آثارهم مقتدون ) ، ( وإنا على آثارهم مهتدون ) .

مازال الإكراه الذي تعرضت له الشعوب المقهورة على أمرها حيث تسلط عليها دعاة الضلالة فحملوها على اعتقادات بالقوة ، أو بالتضليل ، دون فهم ولا تنور ، ومن اجل ذلك كانت الحملات الحربية الإسلامية لكسر الكيانات التي مارست هذا الأمر من الروم والفرس أقوى دولتين عند ظهور الإسلام ، ونلمح هذا في الكتب النبوية إلى الملوك بأنهم إذا لم يفتحوا المجال للدعوة المصححة للعقائد فان عليهم إثم تلك الشعوب ( فإن عليك إثم الأريسيين ) تأسيس العقيدة الإسلامية على البراهين والأدلة العقلية التي تخاطب عقل الإنسان وتجعله يعتنق تلك العقيدة عن قناعة وليس تقليداً .

الأمر بحسن مجادلة المخالفين وردهم إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ).

منع ونفي الإكراه في الدين ، بوجه عام ، سواء كان إكراها على الإسلام أو على غيره من الديانات ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ).

عند قيام الدولة الإسلامية كان فيها مع الإسلام عقائد أخرى وقد اقرهم الإسلام على بقائهم عليها ، واحتفاظهم بها دون إكراههم على الدخول في دين الدولة بل كفلت لهم حريتهم في الدين . ( وبرزوا لله جميعاً ، فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً ، فهل انتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء . قالوا لو هدانا الله لهديناكم ، سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ).

وفي مجال المفاضلة بين الحرية والتمسك بالوطن كانت الدعوة صريحة في القرآن إلى اختيار الحرية واعتبار من يختار الوطن والهوان مسئولاً وتسميته ظالماً لنفسه ومستحقاً لنار جهنم يقول الله تعالى ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ، قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ، قالوا الم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها . فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا . فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا ) وقد ورد في سبب نزولها عن ابن عباس ما خلاصته أن امرأة من نساء الأنصار كانت في الجاهلية إذا لم يعش لها ولد ، تحلف لئن عاش لها ولد لتهودنه ، فلما أجليت يهود بني النضير ، كان فيهم ناس من أبناء الأنصار ، فقال الأنصار : يا رسول الله أبناؤنا ، فنزلت هذه الآية.

وقال الشعبي : قالت الأنصار : والله لنكرهن أولادنا على الإسلام : فانا إنما جعلناهم في دين اليهود إذ لم نعلم ديناً أفضل منه فنزلت هذه الآية

بل وردت الآيات التي تجعل تعدد الأديان والاعتقادات أمرا طبيعياً لا بد من مراعاته، ففي سبيل التخفيف عن الرسول r في ضيق صدره بعدم إسلام من دعاهم يقول الله تعالى مخاطباً لرسوله r : } فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنــــُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً { ، ويقول سبحانه وتعالى : } فذكر إنما أنت مذكر ، لست عليهم بمسيطر ، إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر ، إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم { ، ويقول سبحانه وتعالى : } ولو شاء ربك لآمن من في الأرض جميعاً ، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين {[20]ويفهم من قولـــــه تعالى : } وقل الحق من ربكم فمن شـــــاء فليؤمن ومن شــاء فليكفر { إن الاعتقاد الصحيح ثمرة الاقتنـاع الكامل والتصديق الثابت ، وانه لا قيمة لعقيدة تأتي نتيجة القهر والتسلط فحالما تزول أسباب القهر تنتهي وتزول . ولهذا حينما سال ( هرقل ملك الروم ) أبا سفيان عن المسلمين وكان يومئذٍ كافراً : أيرتد منهم احد سخطاً عن دينه ؟ قال : لا فقال هرقل : وهكذا الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب . ويستفاد من الآيات العديدة بمنع الإكراه في الدين – ولو كان هو الإسلام- . إن الإسلام يريد إتاحة الفرصة المتكافئة للناس كي ينظرا ويختاروا فلا يجبرهم على شيء لا يرغبونه.

بواسطة: - آخر تحديث: 10 يوليو
قسم: بحوث


مواضيع ذات صلة بـ بحث عن الميثاق الاسلامي لحقوق الانسان كامل